فصل: قال ملا حويش:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ملا حويش:

تفسير سورة الفيل:
عدد 19- 105.
نزلت بعد (الكافرون) بمكة.
وهي خمس آيات.
وثلاث وعشرون كلمة.
وستة وتسعون حرفا.
لا ناسخ ولا منسوخ فيها، لأنها من الاخبار ولا يدخلها النسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ} يا سيد الرسل رؤية علم لا رؤية بصر، لأنه لم يحضر هذه الحادثة وكانت ولادته في سنتها {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ 1} عجب اللّه نبيه لصنعه فيهم وعدم اعتبار كفار العرب الذين شاهدوا تلك الآية العظيمة التي أوقعها اللّه عليهم وبقيت أخبارها متواترة مستفيضة كأنها مشاهدة رأي العين إذ لا يستطيع أحد إنكارها لوقوعها سنة 571 من ميلاد عيسى عليه السلام وذلك على ملأ من أهل مكة ومجاوريها وكثير منهم ان لم نقل كلهم رآها بأم عينه من غير نكير من أحد ما، ولهذا قال تعالى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ} الذي كادوه وسعيهم الذي جاءوا من أجله لتخريب الكعبة {فِي تَضْلِيلٍ 2} تضييع وخسران إذ لم يتمكنوا من تنفيذ ما صمموا عليه لأن اللّه تعالى أبطله باهلاكهم المبيّنة كيفته بقوله: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ} عند ما وصلوا إلى حرم مكة وجزموا على دخولها وتخريب البيت ولم تنههم حرمثه وتعظيمه ولم يبالوا بسكانه وسدنته {طَيْرًا أَبابِيلَ 3} مثال الخطاف وهو جند من جنود اللّه صارت {تَرْمِيهِمْ} بما في منقارها وأرجلها {بِحِجارَةٍ} كأنها {مِنْ سِجِّيلٍ 4} طين متحجر كالآجر أي اللبن المحرق بقصد اشتداد قوته وسمى سجيلا لأن سجيل علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفّار كما سيأتي في سورة المطففين، أي أن تلك الطير رمت أبرهة وجيشه بعذاب من جملة العذاب المدون لأهل النار {فَجَعَلَهُمْ} ربك يا سيد الرسل {كَعَصْفٍ} زرع وتبن مهشم بوطئه {مَأْكُولٍ 5} من الدواب ثم راثت به وفرقت أجزاءه، شبه تفرق القوم وتقطع أوصالهم بتفرق الروث بعد فتاته بجامع عدم الاجتماع في كل، أي أنهم صاروا كالروث ولكن لهجنته لم يذكره فجاء به بلفظ آخر يدل عليه على نمط الآداب القرآنية ليتعلم عباده التأديب عن مثلها، ولهذا ترى كثيرا من العارفين ينزهون ألسنتهم عن النطق بما يستهجن.

.مطلب آداب العارفين وقصة الفيل:

وقد شاهدت شيخنا الشيخ بدر الدين الحسني شيخ دار الحديث بدمشق رحمه اللّه حين سأله أحد تلامذته في شهر رمضان سنة 1343 عن معنى القذرة إذ مرت ت (12)
لنا أثناء الدرس الذي كنا نتلقاه عنه، فقال هي مثل ونيم الذباب، فسأله عنه فقال كرجيع الكلاب، فسأله عنه فقال كخشي البقر، فسأله عنه فقال كزرق الحمام ولم يزل يسأل حتى قال له مثل بعر الغنم والإبل، والروث للحمار والفرس هو الغائط للانسان محاولا بذلك عدم النطق بلفظها المشهور.
وأظن أن هذا الطالب أراد إلجاء الشيخ للنطق بها فلم يفلح، وما قيل إن اللّه سلط عليهم الجدري أو ردهم بما يشبه التسمم (ميكروب) ينافي صراحة الآية وحقيقتها.
اللهم إلا أن يقال ان ذلك نشأ عن رميهم واللّه أعلم.
وخلاصة قصة الفيل هي أن أبرهة الحبشي لما ولي اليمن ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم لزيارة الكعبة المشرفة، بنى كنيسة في صنعاء ودعا العرب لحجها وكتب إلى النجاشي بذلك، فسمع مالك بن كنانة فذهب إليها وتفوط فيها، وزعم مقاتل أن فئة من قريش أجّجوا نارا في يوم عاصف فهاجت الريح واضطرم الهيكل أي في البيعة المذكورة التي بناها أبرهة وسماها القليس، فاغتاظ أبرهة وعزم على هدم الكعبة انتقاما، فسار بجيشه نحوها وكان دليله أبو رغال الثقفي جد الحجاج فمات بالمغمس- محل قريب من مكة على طريق الطائف كان نزل به أبرهة بجيشه ودفن فيه- وصارت العرب ترجم قبره كلما مروا به جزاء لفعله حتى صار مثلا قال جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه ** كرجم الناس قبر أبي رغال

هذا، وما يقوله البعض من أن رمي الجمار الثلاث بمنى كناية عن رجم قبر المذكور، ليذوم ذكر فعله القبيح على ألسنة الناس فقد اخطأ، لأن الرمي في منى من المواضع التي تمثل بها إبليس عليه اللعنة لسيدنا ابراهيم عليه السلام حينما ذهب بابنه إسماعيل ليقربه إلى اللّه تصديقا لرؤياه، والرمي معروف قبل الإسلام وقبل ابرهة لأنه من شعائر الحج، وقبر أبي رغال ليس في محل الرجم في منى، بل هو على طريق الطائف للقادم منه إلى مكة وقد أجمع الفقهاء والمحدثون والمفسرون عل هذا وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية 113 من سورة الصافات والآية 97 من آل عمران والآية 25 من الحج فراجعها ففيها الكفاية.
على أن ما بين حادثة ذبح إسماعيل عليه السلام وحادث ابرهة وموت أبي رغال ما يقارب الفين وثمنمئة سنة فأي عقل يقبل هذا، وأي عاقل يقول ان الرمي الذي أحدث من زمن الذبح أحدث عند موت ابي رغال، عليك بالمرجفين بإذا الجلال فانا أحلناهم إليك يا اللّه.
هذا ولما دخل ابرهة حرم مكة عسكر بالمحصب بالشعب الذي مخرجه إلى الأبطح قريب من منى وأرسل الأسود بن مسعود فجمع نعم أهل مكة وأتى به اليه ثم أرسل حناطة الحميري ليخبر شريف مكة بأنه لم يأت لقتال بل لهدم الكعبة فقط فجاءه شريفها عبد المطلب بن هاشم جد محمد صلى الله عليه وسلم فاحترمه أبرهة ونزل عن كرسيه وجلس معه على البساط لئلا يترفع عليه، ثم انه طلب من ابرهة أن يرد عليه الإبل قبل أن يفاتحه بأمر الكعبة فقال له ابرهة: زهدت فيك لأنك لم تطلب أولا الكف عن التعرض للبيت الذي هو شرفكم وعصمتكم وأعطاه الإبل لأنه يعلم أن مثله لا يرد، ولكن أثرت كلمة ابرهة فيه فقال له: إنك لا تستطيع أن تعمل شيئا في البيت لأن له ربا يحميه منك ومن غيرك، وبما أني رب الإبل طلبتها منك لقدرتك على إتلافها. ثم تركه وذهب إلى البيت وأخذ بحلقة بابه وقال:
لا هم أن المرء يمنع ** رحله فامنع رحالك

وانصر على آل الصليـ ** ـب وعابديه اليوم آلك

لا يغلبن صليبهم ** ومحالهم أبدا محالك

جرّوا جميع بلادهم وال ** فيل كي يسبوا عيالك

عمدوا حماك بكيدهم ** جهلا وما رقبوا جلالك

إن كنت تاركهم وكعبتنا ** فأمر ما بدا لك

ثم قال:
يا رب لا أرجو لهم سواكا ** يا رب فامنع عنهمو حماكا

إن عدو البيت من عاداكا ** امنعهمو أن يخربوا فناكا

ثم انطلق إلى شعف الجبال ينظر ما اللّه فاعل بأبرهة وجيشه فأصبح ابرهة وقد تهيأ للدخول إلى مكة ووجه الفيل نحوها وكان نفيل بن حبيب الخثعمي رأس خثعم لما رأى ابرهة متوجها إلى الكعبة بذلك القصد، قاتله مع عشيرته فقهره ابرهة لكثرة عدده وعدده وأخذه معه أسيرا إلى مكة، ولما رأى الفيل توجه نحو الكعبة أخذ بإذنه وقال له: أبرك أبا محمود وارجع راشدا فإنك ببلد اللّه الحرام، من حيث لم يعلم ابرهة بذلك، فألقى اللّه في قلب الفيل البروك، كما ألقى في قلب نفيل أن يقول له ذلك، فبرك واستعصى فضربوه بالمعاول فأبى التوجه نحو الكعبة فوجهوه نحو اليمن فقام يهرول، فوجهوه نحو الشمال فقام يهرول، ثم صعد نفيل إلى الجبل وتركهم يعالجون أمر الفيل فرأى طيرا كثيرا أقبل من نحو البحر، وغشي القوم وصار يرميهم بأحجار من منقاره ورجليه، فتصيب الرجل فتخرقه وتنزل إلى الأرض، ولم يزل ذلك الطير يرميهم حتى بدد اللّه الجيش بأجمعه وحمى حماه.
قالوا إن الأحجار كانت ما بين العدسة والحمّصة وإن من هرب من الجيش عند ما صار الرميء من قبل الطير لم يهتد إلى الطريق فصاروا يصيحون نفيلا ليدلهم عليه فقال نفيل في ذلك:
فإنك ما رأيت ولن تراه ** لدى حين المحضب ما رأينا

حمدت اللّه إذ أبصرت طيرا ** وحصب حجارة تلقى علينا

وكلهم يسائل عن نفيل ** كأن على للحبشان دينا

وقال نفيل وصاروا يتساقطون على الطريق ويهلكون.
وأرسل اللّه على ابرهة داء فتساقطت أنامله ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الطير فانصدع صدره عن قلبه ومات فيه، قال ابن الزبعرى:
سائل امير الجيش عنا ما ترى ** ولسوف ينبي الجاهلين عليمها

ستون الفا لم يؤبوا أرضهم ** بل لم يعش بعد الإياب سقيمها

وقال أمية بن الصلت:
إن آيات ربنا ساطعات ** ما يماري فيهن إلا الكفور

حبس الفيل بالمغمس حتى ** ظل يعوي كأنه معقور

فلما بلغ هذا عبد المطلب رفع رأسه إلى السماء وقال مخاطبا ربه عز وجل:
أنت منعت الجيش والأفياله ** شكرا وحمدا لك ذا الجلالة

هذا وإنه جل شأنه لم يفعل ذلك لنصرة قريش لأنهم كانوا كفارا بل صيانة لبيته المعظم مما عزم عليه ابرهة، وتكريما لنبيه المكرم إذ ولد فيه إذ ذاك فهو أول خير اتي قريشا منه.
هذا وإن المغمس المذكور في شعر أمية آنفا دفن فيه أبو رغال المار ذكره، والمحصب الذي نزل فيه ابرهة دار بين مكة ومنى، عن يمينه غار ثور الذي تخبأ به حضرة الرسول وأبو بكر وقت الهجرة وعن يساره غار حراء الذي نزل أول وحي به، ووقعت حادثة الفيل فيه بعد موت أبي رغال.

.مطلب رمي الجمار بمنى:

ورمي الجمار بمواقع مخصوصة في منى، فكيف تلوك بعض الألسن بما هو خلاف المحسوس، قاتل اللّه أهل السمعة الذين يريدون أن يعرفوا بالمخالفة على حد خالف تعرف.
ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة في القرآن العظيم.
هذا، وأستغفر اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم وصلى اللّه وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اهـ.

.فصل في الوقف والابتداء في آيات السورة الكريمة:

.قال زكريا الأنصاري:

سورة الفيل:
مكية.
{بأصحاب الفيل} صالح وكذا {أبابيل} والأول أصلح.
آخر السورة تام إن علقت لام {لئلاف قريش} بقوله فيها {فليعبدوا} أي ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة أو بمحذوف أي عجبوا لئلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت وليس بوقف إن علقت بسورة الفيل إما بقوله: {فعل ربك} أو بقوله: {ألم يجعل كيدهم في تضليل} أو بقوله: {فجعلهم كعصف} وعليه ويحمل قول أبي حاتم ليس آخر السورة الفيل وقف. والإجماع على انهما سورتان قد يبعد هذا القول بل قال أبو عمرو وان القول به خطأ بين اذ يلزم عليه أن يكون {لئلاف قريش} بعض آيات سورة الفيل. اهـ.

.قال أحمد عبد الكريم الأشموني:

سورة الفيل:
مكية.
{بأصحاب الفيل} جائز فصلًا بين الاستفهامين.
{في تضليل} ليس بوقف لعطف ما بعده على ما قبله.
ومثله في عدم الوقف {أبابيل} لأنَّ الجملة بعده صفة وهكذا إلى آخر السورة.
والإجماع على أنَّهما سورتان وإن اللام في لإيلاف في معنى التعجب والتقدير أعجب يا محمد لنعم الله على قريش لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف ولذلك فصل بين السورتين بالبسملة.
وقيل لا وقف في سورة الفيل ولا في آخرها بل هي متصلة بقوله: {لإيلاف قريش} وإن اللام متعلقة بـ: {تر كيف} أو بقوله: {فجعلهم}.
والمعنى أهلكنا أصحاب الفيل لتبقى قريش وتألف رحلتيها وذلك أنَّه كانت لهم رحلتان رحلة في الشتاء إلى اليمن ورحلة في الصيف إلى الشام فجعل الله هذا منة على قريش لأن يشكروه عليها فعلى هذا لا يجوز الوقف على {مأكول}.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قرأ السورتين متصلتين في ركعة من المغرب وعن جماعة من التابعين أيضًا.
{والصيف} كاف إن لم تتعلق لام {لئلاف} بقوله: {فليعبدوا} على معنى التأخير أي فليعبدوا رب هذا البيت لئلاف قريش فعلى هذا لا يكون في هذه السورة وقف لاتصال الكلام بعضه ببعض.
ولا يوقف على {البيت} ولا على {من جوع} لقطع الصفة عن موصوفها في الأول وللعطف في الثاني.
وآخر السورة تام. اهـ.

.فصل في ذكر قراءات السورة كاملة:

.قال ابن جني:

سورة الفيل:
بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ أبو عبد الرحمن: {أَلَمْ تَرَ كَيْف}، ساكنة الراء.
قال أبو الفتح: هذا السكون إنما بابه الشعر، لا القرآن؛ لما فيه من استهلاك الحرف والحركة قبله، يعني الألف والفتحة من (ترا) أنشد أبو زيد في نوادره:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا

يريد: اشتر، فحذف الياء من يشتري والكسرة وفيها أيضا:
قالت له كليمة تلجلجا ** لو طبخ النئ بها لأنضجا

يا شيخ لابد لنا أن نحججا ** قد حج في ذا العام من كان رجا

فاكتر لنا كرى صدق فالنجا ** واحذر فلا تكثر كريا أعوجا

علجا إذا ساق بنا عفنججا

فحذف كسرة (اكتر) في الموضعين جميعا كما ترى.
وروينا عن أبي بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم:
ومن يتق فإن الله معه ** ورزق الله مؤتاب وغادي

يريد: (يتق)، فحذف الكسرة بعد الياء.
وقرأ أبو المليح الهذلي: {فَتَرَكَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.
قال أبو الفتح: هذا على إقامة المسبب مكان السبب، إذ المراد به معنى القراءة العامة: {فَجَعَلَهُم}، وذلك أنه ليس كل من جعل شيئا على صورة تركه عليها، بل قد يجوز أن يجعله عليها، ثم ينقله عقيب جعله إياه عنها. فقوله تعالى: {فتركهم} يدل على أنه بقاهم على ما أصارهم إليه، من الإجحاف بهم وغلظ المنال منهم، كذا توجب اللغة.
ثم إنه قد يجوز مع هذا أن يريد به معنى الجعل الذي من حصل عليه كان معرضا لبقائه بعد على تمادي الحال به.
وقرأ: {تَرَؤنَّ} بالهمز ابن أبي إسحاق والأشهب العقيلي.
قال أبو الفتح: قد فرط. آنفا من القول على همز هذه الواو ما فيه كاف بمشيئة الله. اهـ.